ابن الجوزي
67
بستان الواعظين ورياض السامعين
الذين تصدقوا في السر ابتغاء وجه اللّه ، وتصدقوا في العلانية ليحببوا الصدقة إلى عباد اللّه ، هؤلاء الذين فرجوا عن المكروبين . وهؤلاء النسوة اللواتي أطعن أزواجهن ، وحفظن فروجهن ، وحفظن ألسنتهن عن أذى الزوج وعن أذى الجيران ، وتصدقن في السر والإعلان ، تسبق هذه الزمرة جميع الناس إلى الصراط وجوازه بخمسمائة عام . ومن كان من إخوانهم من أهل الذنوب جازوا في شفاعتهم ، فإذا جازت أول زمرة من الأولين السابقين ، وزمرة المتأخرين يبقى رجل واحد فيضع قدمه الواحدة فتزل فيبقى بالقدم الأخرى ، فيركب الصراط على بطنه والنار تصيبه على قدر ذنوبه . [ 118 ] آخر من يبقى على الصراط فلا يزال يحبو ويتدرج ويبكي ويتضرع إلى اللّه تعالى حتى يجوز ، فإذا جاز ونجا رد رأسه ونظر إلى الصراط وأهواله وأهوال أهل النار وعواء أهل النار في النار فيقول : سبحان الذي خلصني منك ونجاني من أهوال النار . فبينما هو ينظر إلى الصراط ويقول هذا القول يبعث اللّه تعالى إليه بلطفه ملكا من ملائكته فيأتيه فيأخذ بيده ويقول له : قم يا عبد اللّه فينطلق إلى غدير من ماء على باب الجنة فيقول له الملك : اغتسل من هذه الماء واشرب منه ، فيغتسل العبد ويشرب كما أمره الملك فيعود كالقمر الطالع ليلة التمام ، وتعود رائحته كرائحة أهل الجنة ولونه كألوان أهل الجنة ، ثم ينطلق به إلى قرب جهنم فيقول له : قف هاهنا حتى يأتيك إذن من ربك ، فينظر إلى أهل النار ويسمع عواءهم كعواء الكلب يستغيثون من شدة العذاب ، فإذا سمع العبد أهل النار وما هم فيه بكى وقال : يا رب اصرف وجهي عن أهل النار حتى لا أنظر إليهم ولا أسمع صوتهم ولا أسألك غير هذا ، فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين فيحول وجهه عن أهل النار إلى أهل الجنة ، فينظر إلى ناحية أهل الجنة فيرى بينه وبين باب الجنة روضة خضراء ما رأى أحد قط مثلها ، ثم ينظر إلى باب الجنة وجماله وعرضه مسيرة أربعين يوما للطير المسرع واللّه أعلم من أي الأعوام ، يقول : يا رب قد أحسنت إليّ الإحسان كله جوزتني الصراط وأنجيتني من النار وأدنيتني من باب الجنة هذه الروضة أسألك أن تبلغني إليها ولا أسألك غير ذلك فيأتيه ذلك الملك فيقول له : يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد عزمت أنك لا تسأل غير هذا المقام ؟ فيأخذ بيده وينطلق به للروضة فيدخله فيها .